ابن ميثم البحراني

187

شرح نهج البلاغة

الآراء غير المحمودة . وقوله : فتذمّوا غبّ فعالكم . تنفير عن التفرّق عنه بذكر ما يلزمه من العاقبة المذمومة ، وهى غلبة العدوّ عليهم واستيلاءه على أحوالهم وتعوّضهم عن عزّتهم ذلَّا ، ورخائهم ونعمتهم بؤسا ونقمة . والفاء هي الَّتي في جواب النهى : أي إن تصدّعتم عن سلطانكم ذممتم غبّ فعالكم . ثمّ أردف النهى عن التفرّق عنه بالنهى عن اقتحام ما استقبلوا من الفتنة المنتظرة تشبيها على أنّ التفرّق عنه سبب للدخول في نار الفتنة ، وتنفيرا عن مخالفته بكونها اقتحاما لنار الفتنة وتسرّعا إلى دخولها ، ولفظ النار مستعار لأحوال الفتنة من الحروب والقتل والظلم ، ووجه المشابهة كونها مستلزمة للأذى كالنار . ووصف الاقتحام لمخالفته والتفرّق عنه ، ووجه الاستعارة إسراع تفرّقهم عنه إلى الوقوع في الفتنة كإسراع المقتحم . ورشّح باستعارة النار بالفور مبالغة في التنفير . ثمّ أمرهم بالنهى عن قصدها وطريقها وتخلية قصد السبيل لها : أي خلوّها لقصد سبيلها ولا تتعرّضوا لها وتقتحموها فكونوا حطبا لنارها . ثمّ أقسم ليهلك في لهبها المؤمن ويسلم فيها غير المسلم . وذلك ظاهر الصدق ، وهو من كراماته عليه السّلام وإخباره عمّا سيكون فإنّ الدائرة في دولة بنى أُميّة كانت على من لزم دينه واشتغل بعبادة ربّه دون من وافقهم على أباطيلهم وأجاب دعوتهم وتقرّب إلى قلوبهم بالكذب على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وظلم العباد كما تقف عليه من أخبارهم في قتل كثير من أولياء اللَّه وذريّة رسوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وصحابته - رضى اللَّه عنهم - وتقريبهم للمنافقين وتوليتهم الأعمال . واعلم أنّه ليس مراده أنّه يهلك فيها كلّ مؤمن ولا يسلم فيها إلَّا غير مسلم ، بل القضيّتان مهملتان . والغرض منهما أنّ أكثر من يهلك فيها المؤمنون وأكثر من سلم فيها المنافقون ومن ليس له قوّة في الإسلام . ولفظ اللهب ترشيح لاستعارة لفظ النار . ثمّ مثّل نفسه بينهم بالسراج في الظلمة . وأشار إلى وجه مشابهته للسراج بقوله : فيستضئ به من ولجها . وتقديره أنّ الطالبين للهداية منه عليه السّلام والمتّبعين له يستضيئون بنور علومه وهدايته